فضاء حر

البردوني… الشاعر الذي لم يشبه عصره

يمنات

زعفران علي المهنا 

حين نقرأ عبدالله البردوني، لا نقرأ شاعرا يمنيا فحسب، بل نقرأ حالة شعرية استطاعت أن تقف في منطقة خاصة بين التراث والتمرد، بين القصيدة القديمة والوعي الحديث، وبين وجع الإنسان اليمني وأسئلة الإنسان العربي.

كان البردوني يعيش في زمن مزدحم بالشعراء والتحولات الكبرى. شعراء عصره لم يكونوا نسخة واحدة؛ فمنهم من ظل وفيا للقصيدة العمودية التقليدية، ومنهم من حاول تجديد اللغة والصورة، ومنهم من انشغل بالقومية والسياسة، ومنهم من ذهب إلى الحب والمرأة والذات.

أما البردوني فكان له طريقه الخاص.

لم يكن يريد أن يهدم التراث، لكنه لم يقبل أن يتحول التراث إلى قفص. استخدم القصيدة العمودية، لكنه حمل إليها أسئلة جديدة، وسخر منها أحيانا ليكشف تناقضات الواقع. وكان يرى اليمن لا كصورة رومانسية جميلة، بل كوطن يحمل مجده وجراحه معا.

أين اختلف البردوني عن شعراء عصره؟

الاختلاف لم يكن فقط في شكل القصيدة، بل في طريقة النظر إلى العالم.

كان بعض الشعراء يتحدثون عن الوطن من موقع الحلم، بينما كان البردوني يتحدث عنه من داخل الجرح.

كان بعضهم يمجد الماضي، بينما كان هو يسأل: ماذا فعلنا بالحاضر؟

وكان بعضهم يكتب عن الثورة باعتبارها حدثا تاريخيا، بينما كان البردوني ينظر إلى الإنسان الذي يفترض أن تكون الثورة قد جاءت من أجله.

لهذا بدت قصيدته أحيانا كأنها محاكمة للواقع، لكنها لم تكن محاكمة باردة؛ كان فيها غضب وسخرية وحزن وحب عميق لليمن.

وماذا عن نزار قباني؟

هنا تبدأ المقارنة الأكثر إثارة.

البردوني ونزار قباني لا يشبه أحدهما الآخر في اللغة ولا البيئة ولا الموضوعات. نزار شاعر دمشق والحب والمرأة والمدينة والسياسة، والبردوني شاعر اليمن والإنسان والتاريخ والسلطة والمجتمع.

لكن بينهما خيط خفي.

كلاهما لم يكن شاعرا يعيش خارج عصره.

نزار جعل الحب قضية إنسانية، ثم اتجه إلى السياسة والهم العربي. والبردوني جعل اليمن والإنسان والواقع الاجتماعي مادة شعرية لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى.

كلاهما امتلك لغة تبدو سهلة في ظاهرها، لكنها تحمل خلفها طبقات من المعنى.

وكلاهما عرف كيف يجعل القصيدة تصل إلى القارئ، لا أن تبقى محصورة في دوائر النخبة.

والأهم: أن كليهما كان يمتلك قدرة على مواجهة المألوف.

نزار واجه كثيرا من التقاليد الاجتماعية والثقافية في حديثه عن المرأة والحب، والبردوني واجه كثيرا من المسلمات في نظرته إلى المجتمع والتاريخ والواقع اليمني.

لكن الفرق بينهما مهم.

نزار كان أكثر احتفاء باللغة العاطفية والصورة الحديثة، بينما كان البردوني أكثر اشتغالا بالسخرية والمفارقة والتاريخ واللغة العربية ذات الجذور التراثية.

نزار كان يفتح نافذة على الحب والمرأة والمدينة، والبردوني كان يفتح نافذة على اليمن والإنسان والتاريخ.

إذن… هل كان البردوني مختلفا؟

نعم، ولكن اختلافه لم يكن بحثا عن الاختلاف.

كان ابن بيئته، لكنه لم يسمح لبيئته أن تحدد سقف رؤيته.

وهنا ربما تكمن عظمة البردوني: أنه استطاع أن يحمل القصيدة القديمة إلى أسئلة جديدة، وأن يجعل من اليمن موضوعا شعريا يتجاوز الجغرافيا.

لم يكن يكتب ليقول لنا: انظروا كم أنا مختلف.

كان يكتب لأن هناك شيئا في الواقع يستحق أن نسأله.

وربما لهذا بقي البردوني حاضرا بعد رحيله؛ لأن الشعر الحقيقي لا يعيش فقط في زمن قائله، بل يعيش كلما وجد إنسانا يشعر أن القصيدة قالت شيئا كان عاجزا عن قوله.

البردوني لم يكن نسخة من شعراء عصره، ونزار لم يكن نسخة من البردوني.

لكن كليهما أثبت أن الشاعر حين يمتلك صوته الحقيقي، يستطيع أن يختلف عن الجميع دون أن يخرج من زمنه.

وهنا، في رأيي، تكمن المسألة الأجمل:

الشاعر الكبير ليس من يشبه عصره تماما، ولا من يعادي عصره تماما… بل من يستطيع أن يرى عصره بطريقة لم يرها الآخرون.

فهمتوني ولا اعيد وازيد

زر الذهاب إلى الأعلى